banner-nizar-kabbani-700x120.gif

 

أسئلة مبدئية حول المرجعية الإسلامية لحزب العدالة والتنمية

حزب العدالة والتنمية.jpg

لقد دفعنا مقال الأستاذ اوترحوت رشيد الذي نشر في وجهة نظر خريف 2012 تحت عدد  54 إلى التساؤلالآنعن مدى مدنية الدولة المغربية في ظل حزب سياسي حاكم يوظف المرجعية الدينية في العمل السياسي بما في ذلك استقطاب الناخبين، هذا بالرغم من أن الحزب لا زال حتى كتابة هذه السطور لم يمرر بعد قوانين ذات طابع ديني تتعلق بتسيير الشأن العام، لكن المسيرة التاريخية للحزب، وولادته من رحم حركة التوحيد والإصلاح، تلك الجماعة الإسلامية السلفية، الآتية رياحها من المشرق العربي، و كذلك نظرا لما قام به أمينه العام من خرجات إعلامية إبان الإصلاحات الدستورية للحفاظ على المشروع الثيوقراطي الإسلامي، تدفعنا إلى التساؤل مستقبلا ما إذا كان الحزب  سيمرر قوانين ذات حمولة دينية إذا سنحت له الفرصة بذلك، أي إذا ضعفت شوكة "التحكم".

 لا أحد ينكر على الحزب انخراطه طيلة المدة السابقة في الحكم في سياسة تقشفية راقت المؤسسات الدولية المانحة، ونحى منحا ليبراليا منفتحا، لكن الحزب لا ينسينا أيام ما كان في المعارضة، حين اعتمد خطابا دينيا في انتقاد السياسات العمومية، و ألهبت أسئلته مشاعر المواطنيين وتسببت في أكثر من مناسبة في جدال مجتمعي واسع، فهل سيتخلى الحزب عن هذا المنحى اليوم؟ و كيف سيعمل على توظيف الخطاب الديني في تدبيره للسياسات العمومية؟  كيف سيدبر تحالفاته الداخلية والخارجية مع المرجعيات الإسلاموية الأخرى؟ قد لا توجد قوانين ذات مرجعية دينية حتى الآن في سلة مشاريع العدالة والتنمية، لكن حين يبرر رئيس الحكومة سن قانون الاقتطاع للمضربين عن العمل في إحدى خرجاته الإعلامية بآية قرآنية تضع ثقافة العمل في إطار المقدس الذي يميز بين الحلال والحرام، نتساءل عن المشروع الدعوي للحزب، وعن كيفية تدبيره للشأن العام بعيدا عن الدين؟

و لتحليل الخطاب الديني لزعماء الحزب، اخترنا المهرجان الخطابي الذي أقامه مؤخراً الأمين العام بأكادير، و الذي أذيع على الجزيرة مباشر، هذا الخطاب التاريخي الذي أرسل فيه رئيس الحكومة رسائل قوية إلى الداخل والخارج، وأسقط ورقة التوت عن نوايا الحزب وتوجهاته السلفية، بعيدا عن تدبير مؤسسات وإدارات عمومية في البلاد، كما سنعرج على الحفل الافتتاحي الذي أقامه الحزب أثناء حملته الانتخابية الأخيرة، إذ تليت كلمة المناضل "الشهيد" عبدالله باها، و حديثه عن التحكم الذي وظف فيه أقوال عمر لحث رفاقه على الصبر والثبات. هنا نضع سؤالا جوهرياً حول جدوى إذاعة شريط باها في هذا الوقت بالذات، هل المراد من هذا إيقاظ مشاعر الحزن والتعاطف مع حزب فقد رفيقا في الدرب والكفاح في إطار حربه الدروس ضد رموز الفساد؟! ولماذا يتم الرجوع إلى عهد عمر في تجمهر خطابي والاستشهاد  بأقواله (راجع خطابات ابن كيران وباها مثلا؟).

نود في بداية هذا التحليل أن نتطرق للمراجعة الدستورية الأخيرة التي شهدها المغرب سنة 2011، وما شرعنته من غموض لتفتح الباب على مصرعيه للخلط بين ما هو مدني وما هو ديني في الممارسة السياسية بالمغرب، هذا بالرغم من وجود قوانين تمنع تكوين أحزاب دينية، حيث جاء في المادة الرابعة من قانون تأسيس الأحزاب: "يعتبر [..] باطلا وعديم المفعول كل تأسيس لحزب سياسي يرتكز على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو جهوي أو يقوم بكيفية عامة على كل أساس تمييزي أو مخالف لحقوق الإنسان". إذن، لا وجود لحزب في القانون المغربي بمرجعية سلفية أو أمازيغية، أو جندرية لأن الأمر لا يتعلق بالجنس أو اللون أو العرق أو الديانة، و لكن بتسيير إدارات عمومية وسن قوانين ومشاريع تنموية، وهنا نتساءل عن موقع حزب العدالة والتنمية و خطابه الديني السلفي في العمل السياسي، وكيف يُسمح له باستمالة كثلة ناخبة معتمدا على حجاج ديني، تبهر من خلاله كوادر الحزب الجماهير المقهورة  بسليقة دينية تصور العمل السياسي بأنه جهاد ورباط ضد الفساد والمفسدين،  وتجيش عواطف الأتباع بمعجم طهراني بعيدا عن خطاب عقلاني يتطرق للظاهرة بأسلوب علمي، يوضح كيف ستتطور الإدارة المغربية في أدائها، و كيف سيقلع الاقتصاد الوطني، لأن محاربة الفساد لا يأتي بإرسال المغاربة إلى السجون، وطرد الناس من وظائفهم، وإلا فسيضطر الحزب لطرد أتباعه و بعض كوادره قبل أن يفعل ذلك مع باقي الشعب.

يعتمد الحزب خطابا و معجما دينيا شعبويا عاطفيا فضفاضا لا يتميز بدقة المشاريع، و بلورة آليات العمل السياسي، حيث يتبنى خطابا طهرانيا يضع الفرق بين "اليد المتسخة"  واليد "النقية" (راجع خطاب بن كيران بأكادير)، و يصور يوم التصويت 7 أكتوبر بأنه يوم "الفرقان" بين المصلحين والمفسدين (راجع خطاب أبوزيد المقرئ بالجديدة على اليوتوب)، و يحاجج ببنيات لفظية متناقضة لا غرض منها سوى سفسطة شعبوية تستقطب تعاطف الناخب بأن هذا الحزب يضم شرفاء، وباقي الأحزاب تسبح في الرذيلة و التعفن الأخلاقي، و الكل يعلم أن عمل فأس الهدم والقضاء على الآخر، سهل جداً، أما معول البناء والتشييد، فهذا يضع الشعب أمام خطط و انتظارات لا يتحدث عنها الحزب، بل لا يعير رئيس الحكومة معدلات النمو التي تصدرها المؤسسات الوطنية أو الصحفية اهتماما بقدر ما يستعرض في كل مناسبة إنجازات الحكومة في إصلاح صندوق المقاصة وصندوق التقاعد و المكتب الوطني لتوزيع الماء والكهرباء، و الزيادة في منح الطلبة، و إعانة المطلقات والأرامل، لكن بالرجوع الدائم إلى الرأسمال الرمزي للحزب، والتركيز على قيم الطهرانية، وفق ما أورده الأستاذ يوسف موستف في دراسته لخطابات ابن كيران (نموذج 4 شتنبر 2015) ، و بذكر قيم النزاهة والاستقامة والصلاح و المرجعية الإسلامية، مما قد يؤدي بالمعركة السياسية إلى الانزلاق عن مسار منافسة المشاريع، و إلى تراشق التهم بمساندة الفساد والتحكم، بالرغم من أن الحزب يعمل بعد صدور النتائج في إطار تحالفات مع الأحزاب المبعدة من مدينته الفاضلة، و يقتسم معها كراسي السلطة في النهاية. 

و نعود لقضية المراجعة الدستورية الأخيرة، والتي أكدنا أنها فتحت  الباب على مصرعيه أمام الخلط بين ما هو مدني وما هو ديني في الممارسة السياسية بالمغرب بالرغم من وجود قوانين تمنع تكوين أحزاب دينية ، وبالرغم كذلك من أنه عادة ما تلتزم الوثيقة الدستورية للشعوب بإقرار التعدد السياسي و الثقافي، ليس بوصفه تنصيصا على تعدد جغرافي أو لساني، بل باعتباره إطارا مؤسسا للتعايش يقطع دابر الخطاب الأحدي المتعسف الذي يسعى لإلحاق المرء بسياسات التوحيد، والتعدد الممأسس الذي يعتبر في حد ذاته انتصارا للحداثة والبناء الديمقراطي في البلدان المتقدمة، و على هذا النهج  حاولت الوثيقة الدستورية في المغرب أن تضع لنفسها تدبيرا خلاقا للتعدد وفق مواثيق مدنية، تنص على حرية التعدد و مبدأ الاختلاف والممارسة الحرة للحقوق، لكن لم تعلنها بصراحة أن الدولة المغربية ذات هوية مدنية، حتى تنتقل بالمغاربة من "دولة المؤمنين" إلى "دولة المواطنين" وإحداث القطيعة مع "الفكر السلطاني الرعوي و تكنولوجيات التطويع الإيديولوجية" ( راجع اوترحوت).

تعاني المراجعة الدستورية التي قام بها المغرب سنة 2011 كسابقاتها من الغموض بتحديد موقف المغرب من إسلامية الدولة، وكأن التفكير في التجربة التاريخية للإسلام تعتبر من قبيل المحرمات، و حسب اوترحوت دائما، فعوض الغوص في علاقة المتدين بالنصوص الرسمية، و التركيز على كيفية اعتماد الذهنية الشعبية ترسانة من الطقوس والأساطير والمرئيات، والتمثلات التي تصنع السليقة الدينية، كما هو الشأن في المجال الانجلو ساكسوني الذي اعتمد البحث الإثنوغرافي في تحليل مفهوم الدين، و نصت دساتير بلدانه على حرية التدين،  وضع الدستور المغربي العقيدة خارج التاريخ، واعتمد معيارا عقديا صارما يتمثل في المذهب المالكي والسنة الأشعرية، و لم يعر اهتماما لمثل هذه الدراسات العلمية التي تبين أن حرية المعتقد والهوية الدينية ليست من باب فرض هيمنة الغرب على الشرق، ولكن نتيجة أبحاث علمية بينت أن الدين الانثربولوجي يُصنع تاريخيا و بإكراهات الجغرافيا.

و بشكل مخالف لهذه القواعد و الأسس، نص الدستور المغربي على إسلامية الدولة بتصور سلفي جامد للهوية الإسلامية، واعتبرها خطا أحمر، مما دفع بعض الأقطاب الحزبية والجمعوية كعبد الإلاه بن كيران وغيرهم من المدافعين عن "العقيدة" أن  يبعثوا بمذكرات مؤداها أن الملكية قائمة على المشروعية الدينية، و أن الإصلاحات الدستورية لا يجب أن تخالف أحكام الدين الإسلامي. وفي إطار هذا المشروع الديمقراطي الثيوقراطي المتوتر الذي تارة يمنع استخدام الدين في السياسة، و تارة أخرى  يبيح استثمار المقدس في عالم السياسة، كما  حدث لنص خطبة الجمعة التي دعت للتصويت الإيجابي لفائدة الدستور، وهو النص الرسمي الذي هيئه المجلس العلمي الأعلى، ووزعته وزارة الأوقاف على خطباء المملكة (انظر اوترحوت)،  وكان هذا تعبيرا واضحا على الشرعية الدينية للدولة، وهي شرعية تتموضع بوصفها أساسا يستبق زمن و منطق الشرعية الدستورية للملكة.

بهذه الهوية "الجوهرانية الماهوية" خارج التاريخ ، يعبر حزب العدالة والتنمية في شخص ابن كيران في عدة مناسبات عن تشتبه بمرجعيته السلفية ، و ارتوائه من فكر شيخه ابن تيمية بالرغم من رئاسته لحكومة دولة تدين بالمذهب المالكي الذي يعتبره الدستور من ثوابت الأمة، ونساءل أتباع ابن تيمية كيف يعملون على التوفيق بين هؤلاء الخصوم المالكين و هم المنشقين عن الحنبلية، و الكل يعلم ما عاناه ابن تيمية على يد الأشاعرة،  وظهرت هذه الازدواجية الدينية جليا في خطاب ابن كيران حين قال " نحن ننتمي للمذهب المالكي صحيح"، ثم أردف قائلا بأن هذا لا يمنعه من أن ينكر انتمائه لفكر سلفه ابن تيمية، دون أن يستطيع شرح العلاقة بين الاتجاهين في جملة أو كلمة واحدة، بل فضل الخطيب الهروب إلى الأمام، و هدد النظام في مهرجانه الخطابي بأكادير دائما بأنه سيلتجأ "للعصيان والخروج عن طاعة الأمير"، إذا طُلب منه التخلي عن مذهبه، وهذا لم يقله طبعا حرفيا، لكنه معنى مُضمَر في خطابه، و سنبيّنه بالحجة رغم اختلاف المعجم بيننا وبينه، وهنا نتساءل عن جدوى المراجعات التي تحدّث عنها رئيس الحكومة في بداية خطابه، مادام لا زال ينادي بفكر ابن تيمية أمام الملأ، وفي تجمع رسمي لحزب سياسي، وتحت مظلة الدولة، ومما زاد الطين بلة، قال بكل تحدي أنه وأتباعه لا يخافون السجون ولا القتل، مذكرا بقول ابن تيمية " علّمنا شيخنا أن نقول ' أنا جنتي في صدري، أحملها معي أين ذهبت، فسجني خلوة، ونفي سياحة، وقتلي شهادة!'، افعلوا ما بدا لكم، هؤلاء رجالنا نتأسّى بهم، وعلماء الأمة لا نتنكر لهم." 

لم يكتف هذا السياسي المحنك بالحديث عن الشهادة، بل عاد ليركز على رأسمال حزبه الرمزي، فهو لا يباع ولا يشترى، و غلف مفهوم البيع بمعجم قرآني، قد يخلط بين مفهوم البيع والبيعة، إذ قال أن لا "بيعة" إلا لله، وهذا يذكرنا بكلام الشيخ ياسين، حيث قال السيد ابن كيران بأنه باع/بايع الله، وليس له شيئا آخر يبيعه، أو سلطة أخرى يبايعها، فالبيعة التي توجد في عنق رئيس حكومة المغرب هي البيعة الإلهية، واستشهد بقوله تعالى : "إنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ"، ولم يكمل نص الآية التي تقول: "يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖوَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚوَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚفَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚوَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ،" فبالله عليكم ، هذه الآية التي تحث على الجهاد والرباط في سبيل الله، ما موقعها من الإعراب في عالم السياسة بالمغرب، وفي تدبير الشأن العام، وفي أمة مسلمة يقودها أمير المؤمنين الذي  بايعه المغاربة على حماية الملة والدين؟ 

كيف لرئيس حكومة أن يخرج إعلاميا، و ينطق بكلام غير مسؤول سياسيا، وعلى الهواء مباشرة دون أن يلتجأ القضاء لمساءلته قانونيا عما بدر منه من سلوك؟وما معنى أن يستمر حزب كهذا في العمل السياسي بمرجعية إسلامية وخطاب ديني ضدا في القانون المرخص للعمل الحزبي؟ إن عبارة " مرجعية إسلامية" لها دلالات عميقة، إذ أن كلمة "إسلامية" تستوجب نقيضا يشتق معانيه من ديانات أخرى كالمسيحية أو اليهودية أو بدون ديانة، وهذا النوع من الأحزاب غير موجود في المغرب، إذن، ما معنى كلمة "مرجعية إسلامية"؟ هل الأحزاب الأخرى تحتكم إلى مرجعيات غير إسلامية أو "كافرة"؟ هذا التفاف بالواضح حول المشروع السلفي للحزب، والذي أصبح يتقوى يوما بعد يوم، إذ سيؤدي بالجماعة الدعوية داخل الحزب وخارجه إلى تدويل الخطاب الديني في السياسة وترسيخه، مما قد يشكل خطرا وجوديا على مستقبل الديمقراطية الفتية بهذا البلد، و قد يفسد العملية برمتها، و يمسخ المجتمع إلى طوائف وجماعات دينية مفتتة، تصبح الأحزاب فيها عبارة عن أبواق لهذه الفرق والطوائف، وهذا ما يحدث الآن في ديمقراطية السنغال و بغداد. 

و لماذا تم عرض شريط للمناضل العدالي عبد الله باها، وهو يحث رفاقه على الصمود في وجه القوى المضادة للإصلاح، دون أن يفصح عنها، و أشار ما مفاده أن المشاركة في الحكم واجب أخلاقي و ديني لا مناص منه مستشهدا بعمر الذي نصح جيشه بعدم ارتكاب المعاصي، و مذكرا بالمرجعية الإسلامية في هذا الباب بمثابة صمام الأمان في الحزب، و سيجد القارئ الكثير من الخطابات المسجلة للحزب في هذا السياق، لكن افتتاح الحملة الانتخابية بكلمة عبدالله باها له دلالات عميقة: هل كان موت الشخص مدبرا، و لم يكن حادثا عرضيا، كما صرح بذلك البعض فيما مضى؟  ما معنى أن يفتتح هذا الشريط الحملة الانتخابية؟ هل هذا شهيد الواجب، إذ حسب علمنا توفي الرجل بعيدا عن ضوضاء السياسة في حادثة سير(قطار)؟ فكيف التحق بأسماء النضال والكفاح؟ إن عرض الشريط في بداية اللقاء، و تأثر ابن كيران وبكائه في ذكرى المرحوم يؤثث لمشهد درامي يسوق  صورة حزب مناضل يقدم شهداء في سبيل مسيرته لإصلاح شأن هذا الوطن؟ لكن السؤال الذي يظل مطروحا، لماذا تمارس العدالة والتنمية السياسة الملتحية، إذ تمزج ما هو دنيوي بما هو ديني، ويؤكد رئيس الحكومة أنه ماض في تطبيق المرجعية الإسلامية في السياسة، و بأن الأصل في الممارسة هو الدين، ولا تهمه السياسة لأنه قدم إليها صدفة (كما ورد في خطاب أكادير)!؟   

و في الختام، نتساءل لماذا تستخدم خطابات الأمين العام الجماهيرية ضمير المتكلم المفرد "أنا"، ولا تتحدث بضمير المتكلم الجمع "نحن"؟ هل للأمر علاقة بسيكولوجية الأمين العام، إذ يعاني من تضخم في الأنا، خصوصا لما قال بكل افتخار " أنا لوقفت ضد التحكم"؟ من المفروض أن يستعمل ابن كيران ضمير الجمع "نحن"، لأن السيد الأمين العام يتحدث بلسان الحزب، وهو فريق عمل، إذن لماذا التركيز على الأنا؟ لكي نضع ملاحظاتنا في سياق التحليل الذي استندنا إليه منذ البداية ، فإن الأمر لا يتعلق بخواطر ونفسية المتكلم بقدر ما يتعلق بطموحات الحزب في بناء شخصية الزعيم والقائد، شخصية كاريزماتية يسعى الحزب من خلالها كسب ثقة الجماهير حتى تؤمن بزعيمها، و تتعلق به، فيكتسب شعبية، و يصبح له مريدون، وهذه خطاطة الشيخ والمريد التي يتعامل بها الحزب. وما يزكي هذا الطرح هو الاستشهاد في عدة مناسبات بسيرة عمر، إذ تحيلنا عليها خطابات زعماء الحزب، مما يؤكد وجود إستراتجية خطابية إيديولوجية لبناء زعامة عمرية في الذهنية الشعبية الإسلاموية.

يقدم الحزب نفسه بوصفه نموذج العدل والاستقامة، و يستشهد بأمجاد "العصور الذهبية للإسلام"، و يلبس جبة عمر في محاربة الفساد والقضاء عليه، و هذا ما يفسر كذلك كثافة استعمال مفهوم "الأمة" في خطابات زعماء الحزب، فبدل استعمال لفظ "الوطن"، أو "الدولة"، أو "الشعب"، أو "المملكة"، يكرر المتدخلون ملفوظ "الأمة"، و هذه العبارة لا ترسم الحدود الجغرافية والسياسية لبلد كالمغرب، بل تعبر الحدود لتجمع بين معتنقي الدين الواحد، و تدخلنا في مشروع الخلافة، والحلم الإسلاموي بنشر العدل والطهرانية بين ثنايا الأمة،

و في الأخير، نلفت الانتباه أنه إذا استمرت دار لقمان على حالها، و غضّت الدولة النظر عن حزب يمارس السياسة بمرجعية إسلامية، و يتحدث خطابا دينيا بامتياز، قد تطالب أحزاب دينية أخرى أو أمازيغية في حقها في الوجود عاجلا أم آجلا ، لكي تمارس العمل السياسي بمرجعية خوارجية أو بمرجعية ثقافة السكان الأصليين؟ وهذا موجود بالفعل مع إيقاف التنفيذ.

ذ. محمد معروف، أستاذ بجامعة شعيب الدكالي

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

كود امني
تحديث